صفعني زوجي أمام 18 فردًا من العائلة وطردني من البيت.
أما حماتي ابتسمت وطلبت مني أن أترك ذهبي ومفاتيح المنزل قبل الرحيل.
لم أجادل.
ولم أبكِ.
اكتفيت بحمل حقيبتي، والاتصال بمحاميّ، ثم غادرت في صمت…
لأن الدار التي كانوا يطردونني منه، والمبلغ الذي كانت حماتي تقبــ,,ـــــضه كل شهر، لم يكن ملكًا لهم أصلًا… بل كان ملكي أنا.
“اليوم ستغادرين هذا المنزل!” صاح حسين، وقبل أن أتمكن حتى من الرد، دفع الكرسي الذي أجلس عليه بعصبية أمام أفراد عائلته جميعًا ثم مدّ يده عليّ
انتفضت واقفة، وسقط أحد الأكواب الزجاجية وتحطم على الأرض، لكن أحدًا لم يتحرك.
لا شقيقته.
ولا أعمامه.
ولا أبناء عمومته الذين كانوا قبل دقائق يحتفلون بعيد ميلاد والدته.
كان الجميع ينتظرون ليروا إن كنت سأبكي… أم سأرحل في صمت.
أما أم حسين…
فكانت الوحيدة التي ابتسمت.
وقالت وهي تعدل عقد الذهب الذي يزين عنقها، وهو هدية كنت أنا من اشتريتها لها:
“أخيرًا وضعتها عند حدها يا بني. لقد أصبحت تتصرف وكأن هذا المنزل ملك لها.”
وضعت يدي على خدي.
كان حسين يتنفس بغضب شديد، وقد استسلم مرة أخرى لذلك الغضب الذي كان يسيطر عليه كلما ادعت والدته أن أحدًا أساء إليها.
بدأ الخلاف أثناء الغداء.
كنا مجتمعين في المنزل الكبير الذي تقيم فيه أم حسين، وهو منزل واسع تحيط به حديقة جميلة ومجلس فخم للضيوف، وكانت لا تفوت فرصة للتباهي به أمام الجميع وكأنها هي من أمضت سنوات عمرها في بنائه.
وبمناسبة عيد ميلادها الثاني والستين، أقامت احتفالًا عائليًا كبيرًا.
اجتمع الأقارب من كل مكان.
وامتلأت الموائد بأصناف الطعام والحلويات.
وجرى إعداد كل شيء بعناية لافتة.
لكن الحقيقة التي لم يكن يعرفها أحد…
هي أنني أنا من تكفلت بدفع تكاليف الاحتفال كاملة.
وفي منتصف الحفل، رفعت أم حسين كأس العصير الخاص بها وقالت:
“أود أن أهنئ ابني العزيز… فبالرغم من زواجه من امرأة لا تعرف معنى الأسرة، ما زال يتحمل مسؤولية هذه العائلة كلها.”
ضحك بعض الحاضرين بخفة.
أما حسين، فاكتفى بخفض نظره إلى طبقه دون أن يعترض على كلمة واحدة.
ثم أضافت بنبرة لا تخلو من الشماتة:
“ولو كانت تعرف كيف تكون زوجة صالحة، لما بقي بيتها خاليًا من الأطفال حتى الآن.”
تجمدت يدي في مكاني.
قبل ثمانية أشهر فقط…
فقدنا طفلنا.
وكان حسين يعلم جيدًا أنني ما زلت أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل باكية كلما تذكرت ما حدث.
ومع ذلك…
واصل تناول طعامه وكأن والدته تتحدث عن أمر عابر لا يعنيه.
رفعت رأسي ونظرت إليها مباشرة.
وقلت بصوت ثابت:
“لا تذكري وفــ,,ـــــاه طفلي مرة أخرى بهدف إهانتي.”
وضعت أم حسين ملعقتها على الطاولة ببطء.
ثم قالت:
“وكان حفيدي أيضًا.”
أجبتها دون تردد:
“لو كنتِ تحترمينه حقًا، لما استخدمتِ ذكراه لإذلالي أمام الناس.”
وضعت يدها على صدـ,,ـــرها ونظرت إلى الحاضرين وكأنها تعرضت لظلــ,,ـــــم كبير.
ثم قالت بصوت مرتفع:
“هل سمعتم كيف تكلمني داخل هذا المنزل؟”
وقف حسين من مكانه.
ولوهلة…
ظننت أنه سيتدخل أخيرًا ليدافع عني.
لكنه اتجه نحوي مباشرة.
ثم مدّ يده عليّ
في تلك اللحظة، ومع الحرارة التي اشتعلت في وجهي.
أدركت أن ما فعله لم يكن اندفاعًا لحظيًا.
بل كان قرارًا اتخذه بكامل إرادته.
وأشار نحو الدرج قائلًا ببرود:
“اصعدي وخذي ملابسك فقط.”
ثم أضاف:
“أما الذهب فيبقى هنا… وكذلك السيارة والمفاتيح وكل ما اشتريته أنا.”
عقدت أم حسين ذراعيها وقالت بلهجة حاسمة:
“وسلّمي مفاتيح المنزل أيضًا. هذا المنزل ملك لعائلة حسين، وليس مكانًا لمن لا يعرفون قيمة ما يُقدَّم لهم.”
رفعت بصري نحو أرجاء المنزل.
إلى الأرضيات الواسعة.
والدرج الداخلي.
وكل تفصيل فيه.
كنت أعرف هذا المكان أكثر مما يعرفه أي شخص آخر.
لأنني كنت أنا من وافق على كل دفعة صُرفت عليه.
وأنا من اشتراه أصلًا قبل زواجي من حسين بعدة أشهر عبر شركة استثمارية أملكها.
لكن حسين لم يسأل يومًا كيف اختفت الأقساط المستحقة على المنزل فجأة.
ولم يتساءل من أين يأتي المبلغ الشهري الذي كانت والدته تتقاضاه بانتظام لتغطية مصاريفها الخاصة.
كان يعتقد أن الأموال تأتي من ميراث تركه والده رحمه الله.
رغم أن ذلك الميراث نفد منذ سنوات.
وتركتُه يصدق ذلك.
ليس لأنني كنت أخشى الحقيقة…
بل لأن حسين كان يكرر دائمًا أن والدته لن تحتمل معرفة وضعها المالي الحقيقي.
ولم يكن المنزل وحده ما أنقذته.
فعندما تعرضت شركته لمشكلات مالية بعد خسارة عدد من المشاريع المهمة…
كنت أنا من سدد الرواتب المتأخرة.
وأنا من غطى الديون المستحقة.
وأنا من وفر السيولة التي أبقت شركته قائمة.
كل ذلك عبر شركات واستثمارات لم يكلف نفسه يومًا عناء السؤال عنها.
كان يكتفي باستلام النجاة…
دون أن يهتم بمعرفة من ألقاها إليه.
كان الجميع يعتقد أنني أعيش بفضل اسم عائلة حسين.
لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.
حملت حقيبتي واتجهت نحو الباب.
فقال حسين باستهزاء:
“هذا كل شيء؟ ألا تنوين الاعتذار حتى؟”
توقفت للحظة.
ثم التفتُّ إليهم وقلت بهدوء:
“أريد أن أتذكر وجوهكم جيدًا.”
أطلقت أم حسين ضحكة ساخرة وقالت:
“ولماذا؟
لتشتكي منا لطبيبك النفسي؟”
أخرجت هاتفي من حقيبتي.
التقطت صورة لمدخل المنزل.
ثم رفعت نظري نحو كاميرات المراقبة المثبتة في المكان.
وقلت:
“لا… بل ليعرف محامي من أين يبدأ.”
ساد الصمت لثوانٍ.
وشعرت بأن كلماتـي أصابتهم بالارتباك.
رفع حسين يده وكأنه ينوي التقدم نحوي مرة أخرى.
لكن أحد أعمامه أمسك بذراعه ومنعه.
أما أنا…
فغادرت المنزل دون أن ألتفت خلفي.
وبينما كنت أنتظر السيارة التي ستقلني من هناك…
وصلني إشعار من البنك على هاتفي.
كانت أم حسين قد استخدمت البطاقة الإضافية الخاصة بها للتو لشراء قطعة ذهبية باهظة الثمن.
ابتسمت للمرة الأولى منذ بداية ذلك اليوم.
لأنها لم تكن تعلم…
ولا حسين كان يعلم…
ولا أي شخص داخل ذلك المنزل كان يعلم…
أن تلك العملية ستكون الأخيرة.
وأنهم قبل شروق الشمس…
سيكتشفون من هو الشخص الذي كان يمول كل شيء طوال تلك السنوات.
وسيكتشفون أيضًا…
من صاحب الحق الحقيقي في ذلك المنزل.
