بعد خمس سنوات من رعاية زوجي المقعد، سمعته يضحك ويقول أمام أحد أصدقائه إنني “ممرضة مجانية” . في ذلك اليوم لم أصرخ… ولم أبكِ… بل بدأت أسحب كل شيء من تحت قدميه دون أن يشعر.
خمس سنوات كنت أنظف جسد سامر، وأبدّل له القساطر، وأطعمه بيدي. خمس سنوات أنام بعين مفتوحة خوفًا أن يختنق أو يتألم أو يحتاج أن أغيّر وضعه في السر,,,ير عند الثالثة فجرًا. خمس سنوات ورائحة المعقم,,ات والمراهم والكلور وحساء الدجاج لا تفارقني. خمس سنوات وأنا أظن أن ما أفعله اسمه حب. إلى أن سمعته.
اسمي سارة.
كان عمري تسعة وعشرين عامًا عندما أصيب سامر بالشلل بعد ح,,ادث سير على الطريق بين بغداد والحلة.
كنا متزوجين حديثًا.
وكنت ما زلت أرتدي الملابس الأنيقة، وأضع عطري المفضل، وأحمل أحلامًا بسيطة وساذجة.
بعد الح,,ادث، تحولت حياتي إلى سر,,,ير طبي في وسط المنزل.
تعلمت كيف أحمله.
وكيف أحمّمه.
وكيف أبدّل له الحفاضات.
وكيف أراجع الدوائر الصحية وأقاتل من أجل حقوقه.
وكيف أبتسم عندما يرمي الطبق لأنه “بارد”.
وكان الجميع يقول لي:
— ما شاء الله عليكِ يا سارة… زوجة وفية فعلًا.
وكنت أصدقهم.
لأن المرأة حين تحب، أحيانًا تخلط بين التضحية والعقوبة.
في ذلك الصباح ذهبت لأشتري كليجة طازجة من أحد الأفران المشهورة.
بالحشوة التي يحبها.
استيقظت عند الخامسة صباحًا، وانتظرت دوري، واشتريتها ساخنة، ثم توجهت إلى مركز التأهيل.
أردت أن أفاجئه.
كم كنت ساذجة.
عندما وصلت، رأيته في الساحة الخارجية جالسًا على كرسيه المتحرك ويتحدث مع رجل لا أعرفه.
توقفت خلف أحد الأعمدة لأرتب حجابي.
ثم سمعت ضحكته.
ضحكة صافية.
مرتفعة.
وقاسية.
قال سامر:
— لا يا رجل… أنا ربحت فعلًا. سارة ممرضة وخادمة وطباخة وسائقة… وكل هذا ببلاش.
شعرت أن كيس الكليجة ينزلق من يدي.
ضحك الرجل الآخر.
وأكمل سامر:
— هي متعلقة بكلام “في الصحة والمرض” لدرجة أنها مستحيل تتركني. مربوطة بي تمامًا.
اختنق نفسي.
فسأله الرجل:
— وماذا عن الميراث؟
أطلق سامر ضحكة أخرى.
وقال:
— طبعًا كله لابني مصطفى. هو من دمي. أما سارة فمهمتها فقط أن تحافظ على البيت إلى أن أم,,وت.
شعرت أن شيئًا انكسر داخل ص,,دري.
مصطفى.
ابنه من زواج سابق.
نفس الشاب الذي يدخل بيتي من دون سلام.
والذي يترك الأطباق المتسخة خلفه.
ويناديني “خالة” بطريقة تشعرني وكأنني عاملة في المنزل.
نفس الشخص الذي كان سامر يطلب مني دائمًا أن أتحمل تصرفاته.
— وضعه النفسي تعبان بسبب اللي صار لي يا سارة.
كذب.
كان الاثنان مستفيدين من بقائي منحنية الرأس.
عاد سامر للكلام:
— ثم طالما هي تنظفني وتخدمني، فأنا لا أدفع دين,,ارًا واحدًا. هل تعرف كم تتقاضى الممرضة المقيمة؟
أجاب الرجل:
— مبلغ كبير جدًا.
قال سامر:
— وأنا أحصل على كل ذلك مقابل الأكل والسقف فقط.
هناك م,,ات شيء بداخلي.
لم أبكِ.
ولم أدخل لأصرخ.
ولم أرمِ الكليجة في وجهه.
فقط استدرت وغادرت المركز وقدماي ترتجفان.
جلست داخل السيارة في الموقف.
وأمسكت المقود بقوة حتى شعرت بالألم في أصابعي.
ثم همست:
— انتهى الأمر.
في تلك الليلة لم أذهب لإحضاره.
أرسلت سيارة إسعاف خاصة.
وعندما وصل إلى البيت، نظر إليّ بغض,,ب من فوق النقالة.
وقال:
— أين كنتِ؟ كنت أنتظرك.
— كنت مشغولة.
قطب حاجبيه.
— وهل أحضرتِ الكليجة؟
نظرت إليه.
ولأول مرة منذ خمس سنوات نظرت إليه كما هو فعلًا.
لم أعد أرى الرجل المريض.
رأيت رجلًا مرتاحًا لاستغلال غيره.
قلت:
— نسيتها.
تغير وجهه فورًا.
— ماذا يعني نسيتها؟
لم أجب.
رتبت وسادته.
وغطيت ساقيه.
وأعطيته أدويته.
وفعلت كل شيء كما اعتدت.
لكنني من الداخل لم أعد المرأة نفسها.
في اليوم التالي بدأت.
أولًا راجعت الأوراق.
الفواتير.
الحسابات.
سندات الملكية.
الإيصالات.
العقود.
كل ما كان يظن أنني لا أفهمه لأنني “صالحة فقط لخدمته”.
ووجدت أشياء كثيرة.
كثيرة جدًا.
وثيقة تأمين على الحياة.
وحسابًا مصرفيًا مخفيًا.
ووصية لا يظهر فيها اسمي أبدًا.
وملفًا كاملًا باسم مصطفى.
وفي داخله تحويلات مالية شهرية كبيرة.
بينما كنت أحسب الدنانير لشراء أسطوانة الغاز، كان سامر يرسل الأموال لابنه ليشتري دراجات وأحذية ورحلات.
ضحكت.
ضحكة جافة.
ليست من الألم.
بل من الاشمئزاز.
في تلك الليلة، بينما كنت أطعمه العشاء، سألني:
— لماذا أنتِ صامتة هكذا؟
مسحت طرف فمه بمنديل.
وقلت:
— متعبة.
فرد مباشرة:
— ارتاحي بعد أن أنام أنا.
قالها بلا خجل.
كمدير يأمر موظفته.
وكأنه يملك حياتي.
ابتسمت فقط.
— حاضر يا سامر.
ولم يلاحظ شيئًا.
فالرجال مثله لا يلاحظون أن المرأة توقفت عن الحب.
إنما يلاحظون فقط أنها توقفت عن الطاعة.
أسبوعان كاملان تصرفت كأن شيئًا لم يحدث.
أعددت له الحساء.
وغيّرت الأغطية.
وأوصلته إلى جلسات العلاج.
وابتسمت أمام الممرضات.
وفي الليل، بينما كان نائمًا، بدأت أجمع النسخ.
تسجيلات صوتية.
وكشوف حسابات.
ورسائل.
وسجلت مصطفى وهو يقول لي:
— عندما يم,,وت أبي، ستخرجين من هذا البيت فورًا.
وسجلت سامر وهو يرد:
— اتركيها. طالما أنها تنفعني، فلتبقَ.
ثم استعنت بمحامية.
محامية قوية.
من النوع الذي لا يربّت على كتفك… بل يجعلك ترين الحقيقة.
وعندما وضعت كل الملفات أمامها على المكتب، قالت جملة واحدة:
— سارة… زوجك لا يحتاج إلى ممرضة. زوجك يحتاج إلى دعوى قضائية.
وفي يوم الجمعة عدت إلى المنزل أبكر من المعتاد.
كان سامر في الصالة يتحدث هاتفيًا مع مصطفى.
ولم يسمع دخولي.
كان يقول:
— لا تقلق. بمجرد أن أم,,وت سأضمن خروجها. البيت كله سيصبح لك.
وقفت خلفه مباشرة.
ولأول مرة منذ خمس سنوات…
لم أشعر بالحزن.
شعرت بالسلام.
أطفأت الخلاط الذي كان يعمل في المطبخ.
فاستدار سامر نحوي.
واختفت الابتسامة من وجهه.
وقال بارتباك:
— منذ متى وأنتِ واقفة هنا؟
الجزء الثاني.. ذلك السؤال كان بداية اللحظة التي أدرك فيها سامر أن كل ما اعتبره مضمونًا طوال السنوات الماضية بدأ ينهار أمام عينيه.
